إعلان نتيجة الفصل الرابع وختام المرحلة الثالثة   تهنئة عيد الفطر المبارك   ختام فاعليات المرحلة الثالثة بالأكاديمية الإسلامية المفتوحة   دورة أحكام التجويد للشيخ رشاد هيكل   الشيخ صالح آل الشيخ وزيرا للشؤون الإسلامية
عدد المشاهدات : 2582

/academy-lessons/3rd-year/2st-class/hadith-7th-level/aha107-110308.rm /academy-lessons/3rd-year/2st-class/hadith-7th-level/aha107-110308.rm

الحديث - المستوى السابع

الدرس الأول - كتاب اللعان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه، الإخوة والأخوات طلبة هذه الأكاديمية العلمية المباركة! سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته، ونرحب بكم مجددًا في هذه الحلقة العلمية المتصلة، في شرح كتاب "عمدة الأحكام"، وكنا قد توقفنا في الفصل الدراسي السابق عند كتاب اللعان، وها نحن نبتدئ هذا الفصلَ بمشيئةِ الله -تعالى- بمدارسةِ هذا الكتابِ، وما يَعْقُبُه من كتبٍ بإذن الله -تعالى- أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يبارك في جهودنا وجهودكم، وأن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعَنا وإياكم بما علمنا، إنه جواد كريم، بَرٌّ رؤوف رحيم، وأزفُّ لكم بشرى نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- التي قال فيها: )مَنْ يرد الله به خيرًا؛ يُفقه في الدين) نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في دينه، العاملين به، المخلصين له في كل أمر؛ إنه جواد كريم بر رؤوف رحيم، ونبتدئ باسم الله -تعالى- على بركة الله هذا الكتاب = كتاب اللعان.

قال المصنفُ -رحمه الله تعالى-: (عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن فلان بن فلان قال: "يا رسول الله! أرأيت لو وَجَدَ أحدُنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع؟! إنْ تَكَلَّمَ؛ تَكَلَّمَ بأمرٍ عظيمٍ، وإن سَكَتَ؛ سَكَتَ على مثلِ ذلك، قال: فَسَكَتَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فلم يُجِبْه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: )إن الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيتُ به)، فأنزل الله -عز وجل- هؤلاء الآيات في سورة النور: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ? [النور: 6]، فَتَلاهُنَّ عليْه، وَوَعَظَه وذَكَّرَه وأخبره أنَّ عَذَابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا! ما كذبتُ عليها، ثم دَعَاهَا وَوَعَظَهَا وَأَخْبَرَهَا أنَّ عَذَابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ، فقالت: لا، والذي بعثك بالحقِّ إِنَّه لكاذبٌ، فبدأ بالرجلِ فَشَهَدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة، فشهدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إِنَّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غَضَبَ اللهِ عليها إن كان مِنَ الصادقين، ثم فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثم قال: )الله يعلم أنَّ أَحَدَكُمَا كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟! ثلاثًا) وفي لفظ: )لا سبيلَ لكَ عليها) قال: يا رسول الله! مالي؟! قال: )لا مالَ لكَ، إن كنتَ صدقتَ عليها؛ فهو بما اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وإن كنتَ كذبتَ عليْها؛ فهو أبعدُ لك منها))

اللعان مصدر لاعن لعانًا، ويقال: اللعان والملاعنة، ويقال أيضًا: التلاعن، وهو بكل حالٍ مأخوذٌ من اللعنِ، واللعنُ هو الطردُ والإبعادُ، يقال: تَلاعَنَا والْتَعَنَا، ولاعن القاضي بينهما؛ أي بين هذا الرجلِ وتلك المرأةِ.

إذن اللعان يكون بين اثنيْن، هذا معنى اللعان في اللغة، اللعان لغة: هو الطرد والإبعاد، وهو مأخوذٌ -كما قلنا- من اللعن.

واللعانُ في اصطلاح فُقَهَائِنا -رحمهم الله تعالى- يُعَرِّفُونَه بأَنَّه: شهاداتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بأيمانٍ.

هذه الشهادة مؤكدة بأيمان من قِبَل الرجل والمرأة، يعني من قِبَل جانبيْن: زوج وزوجة. هذه الشهادات مقرونة باللعن أو الغضب، باللعن من قِبَل الرجل، والغضب من قِبَل المرأة، تَقُومُ هذه الشهاداتُ مَقَامَ حدِّ القذفِ أو التعزير، هذا في حقِّ مَنْ؟ في حقِّ الرجلِ، أو في مقام حد الزنى في حقِّ من؟ في حق المرأة.

إذن هذه الشهادات التي ترتبط بالأيمان هذه الشهادات والأيمان تكون من كلا الزوجيْن، يَدْفَعُ أحدهما بذلك عن نفسِه حدَّ القذفِ حين يرمي امرأتَه بالزنى، وتدفع المرأةُ بهذه الشهاداتِ المؤكدةِ بالأيمانِ عن نفسِها حَدَّ الزنى.

والشافعية -رحمهم الله تعالى- يعرفونه فيقولون: هي كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً لمضطرٍّ. هذا المضطر اضطر إلى قذف أو رمي من لَطَّخَ فراشَه، وأَلحق العارَ به، أو إلى نفيِ ولدٍ، يعني حجة له يَتَوَصَّلُ بها إلى نَفْيِ ذلك الولدِ أنْ يَكُونَ مِنْ نسبِه أو أن يَلْحَقَه نسبُه.

لماذا اختير لفظُ اللعانِ على لفظِ الغضبِ، مع أنَّ لفظَ الغضبِ موجودٌ أيضًا لأن المرأة تحلف على نفسها بأنها لم تكن زانيةً، وفي الخامسةِ تَشهدُ على نفسِها وتدعو على نفسِها بغضبِ الله -تعالى- إن كانت من الكاذبِين، وكذا في حال الرجل، يشهد على نفسه بأن المرأة وقع منها الزنى، ثم يدعو على نفسه بلعنة الله -تبارك وتعالى- إن كان من الكاذبِين؟

قالوا: إنما قُدِّمَ اللعانُ في التسمية على المغاضبة مراعاةً للفظِ ومراعاةً للمعنى. فمراعاةً للفظ؛ لأنَّ اللعنَ يكون أولاً قبل الغضب؛ لأنه يُبدأُ بالرجلِ، فالرجلُ يشهد الشهادات الأربعَ ثم يأتي بالخامسةِ يقول فيها: إنَّ لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبِين، ودائمًا جانبُ الرجل في هذه المسألة يكون أقوى؛ لأنه هو الذي يُلاعنُ المرأةَ، وَخُصَّتِ المرأةُ بلفظِ الغَضَبِ؛ لِعِظَمِ الذَّنْبِ في حقِّها، والذنب في حقها عظيمٌ؛ لأنه يَتَرَتَّبُ عليه ما لا يَتَرَتَّبُ بالنسبة للرجلِ، فالمرأةُ تكون بهذا مُتَسَبِّبَةً في تلويثِ فراشِ زوجِها، وفي اختلاط الأنسابِ، وفي انتشارِ الْمَحْرَمِيَّةِ بدونِ وجهِ حقٍّ، وفي حُصولِ التوارثِ بيْن هذا الذي يأتي من هذا السِّفَاح، وذلك الرجلِ الذي لا يَمُتُّ إليه بصلةٍ.

ثم إذا نَظَرْنا من جهةِ المعنى؛ وجدنا أنَّ اللعنَ هو طردٌ وإبعادٌ، فإنْ كانتِ اللعنةُ مِنَ اللهِ؛ فهي طردٌ وإبعادُ اللهِ -عز وجل- لهذا الذي وَقَعَ منه ذنبٌ بعينِه، أو هو -إذا كان بعبارةِ الرجلِ- طردٌ وإبعادٌ عن هذه الزَّوجيَّةِ، أو عن هذه العَلاقةِ التي قامت بينه وبين المرأةِ؛ لأنه يَتَرَتَّبُ على الملاعنةِ فُرْقَةٌ وبُعد بيْن هذا الرجل وبين تلك المرأة. فالفرقةُ التي لا اجتماع معها سُمِّيَتْ مُلاعَنَةً؛ لِمَا فيها من الافتراقِ والابتعادِ بين الرجلِ وبين تلك المرأةِ.

اللعانُ مشروعٌ؛ أي ثَبَتَتْ مشروعيتُه بالكتاب، والسنة، والإجماعِ الصحيحِ الْمُنْعَقِدِ.

فأما القرآن الكريم؛ فدليلُه قولُ الله –تعالى- من سورةِ النورِ.. نعم تفضل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ?6? وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ?7? وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ?8? وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ? [النور: 6- 9]

إذن هذا اللعان مشروعٌ بكتابِ الله -تعالى-، ولمشروعيته قصة وردت في هذا الحديث سنتناولها عند شرح الحديث بإذن الله.

ثم إنَّ السنةَ ناطقةٌ بالمشروعيةِ، وحديثُ الباب يدل على ذلك، والإجماعُ مُنْعَقِدٌ، وَصَرَّحَ به غيرُ واحدٍ منْ أهلِ العلمِ على جوازه منهم الوزير ابن هُبَيْرَة -رحمه الله تعالى- في كتابه "الإفصاح"، وابن قدامة، وغير هؤلاء كلهم نَصُّوا على مشروعيةِ اللعانِ، والملاعنةِ.

لماذا شرع اللعان؟ وما هي حكمة مشروعيته؟

معلومٌ أنه لا يجوز لأحدٍ أنْ يَرميَ أحدًا بفاحشةِ الزنى إلا ويأتي على ذلك بأربعةِ شهداء. فإن أتى بالشهداء؛ فبها، وإلا؛ كان في ظهرِه حدٌّ وهو حَدُّ القذفِ. ثم لَمَّا كانتِ العَلاقةُ بين الرجل وزوجته علاقةً خاصَّةً، وهذه العلاقةُ الخاصَّةُ تحتاجُ إلى أن تُحفظَ، وأن تُحمى، وأن تُرعى وأنه قد يَقَعُ شيءٌ من تلويثِ العِرْضِ أو انتهاكِ العرضِ يَطَّلِعُ عليه الرجلُ ولا يَستطيعُ أن يُطْلِعَ عليه غيرَه؛ لما في ذلك من الفضيحةِ، والعار والشنار الذي يَلْحَقُه بمجرد الإخبارِ، فضلاً عن أن يَنْطَلِقَ فيأتي بشهداءَ يشهدون على انتهاكِ عِرْضِه، ووقوع زوجِه في الفاحشةِ وتلويثِ فراشِه كان في ذلك على النفسِ ما فيه من الشدة والعيْب.

ولهذا كانت حكمة مشروعية هذا اللعان لدفع هذه المفسدة عن ذلك الإنسانِ الذي اطَّلَعَ -والعياذ بالله- على فاحشةٍ منْ أهلِه، وهو -في ذات الوقت- لا يستطيعُ أن يَنْطَلِقَ لِيأتيَ بشهودٍ يقول: هَلُمُّوا! اشهدوا ما وقع من زوجتي على فراشي!

لَمَّا كان ذلك كذلك؛ شُرِعَ اللعان تحقيقًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، ولم يُجلد هذا الإنسانُ حدًّا لماذا؟ لأنه قامت هذه الأيمانُ الأربعُ مَقَامَ هؤلاءِ الشهودِ الأربعة، ولأن الرجل –غالبًا- لا يَشهدُ على امرأتِه بشيءٍ يُلَوِّثُ سمعتَه، فكان هذا سببًا دارئًا ودافعًا للحدِّ الذي يُضْرَبُه إن كان كاذبًا، أو إن لم يأتِ بالشهودِ على الصفةِ المشروعةِ أو بالعددِ المشروعِ.

إذن لأجلِ هذا شُرِعَ اللعانُ بيْن الزوجيْن عند قيامِ سَبَبِه، ثم إنه ليس بمجردِ أن يَقذفَ الرجلُ زوجتَه ويحلفَ هذه الأيمان تُحَدُّ زوجتُه، وإنما يَصيرُ الأمرُ إليها، فإن أَقَرَّتَ بذلك؛ أُقيم الحدُّ عليها، وإلا؛ فإنَّ لها أن تلاعنه، كيف؟ تشهدُ على نفسِها أربعَ شهاداتٍ مُؤَكَّدَاتٍ باليمينِ أنها ما زَنَتْ، ولا وَقَعَ ذلك منْها، ثم تأتي في الخامسة فتدعو على نفسِها بغضبِ الله -والغضب أشدُّ من اللعن- إنْ كان شيءٌ من هذا قد وَقَعَ منها، أو إن كانت -فيما قالت- كاذبةً في شهادتِها أو في دعواها. هذا هو ما يَظْهَرُ من حكمةِ مشروعيةِ الملاعنةِ بيْن الزوجين.

لكن لقائلٍ أن يقولَ: هذه حكمة المشروعيَّة، فما حكمه؟ وحين نتكلمُ عن حكمِه التكليفيِّ فإننا نَتَكَلَّمُ عنْ حكمه في حقِّ الرجلِ؛ لأنَّ الذي يُلاعِنُ هو الرجل، فإذا دخل الإنسان -والعياذ بالله تعالى- على امرأته فوجد معها رجلاً فماذا يفعل؟ هل يجب عليه أن يخبر بذلك وأن يلاعنها؟ وهل هذا الوجوب مطلق ومستمر في كل الحالات؟ وهل ينتقل الحكم من الوجوب إلى التحريم مثلاً؟ وهل ينتقل من التحريم إلى الكراهة؟ هذا ما ينبغي أن نتأمل فيه.

قال بعض العلماء: إن اللعان والملاعنة قد يكون واجبًا، في أيِّ الحالاتِ؟

قالوا: في حالة ما لو أَقَرَّتِ المرأة له بأنها زَنَتْ، وأنها حملت سفاحًا، فَصَدَّقَهَا على ذلك، أو قَامَتْ له بينةٌ، كأنْ تكونَ المرأةُ طَهُرَتْ من حيضِها ثم إنه اعتزلها بسفرٍ أو بغيرِه، ثم إنها جَاءَتْ بعد ذلك حاملاً، فهي إما أن تكون أَقَرَّتْ بزناها، وبأن الحمل من غيره، أو أنه اعتزلها بعد طُهْرٍ خَرَجَتْ فيه من حيضِها، ثم بانتْ بعد ذلك بمدةٍ حاملاً، فالولد الذي سيأتي سيُنسب إليه إنْ لم يَنْفِه، سيُنسبُ إليه إذا لم ينفِه، فهل يجوزُ له أن يَسكُتَ عنْ هذا؟ مع أنَّه يَعلم أنَّ هذا الولدَ ليس من صُلْبِه، وَأَنَّ هذا الوَلدَ ستنتشر المحرميةُ بينه وبين هذا الرجل من جهةِ النساء، من جهة أمه، وأخته، وبنته، وخالته.. إلخ، وأنه سيرثه وسيقع بينهما من العلائقِ الشرعيةِ المترتبةِ على ثبوتِ النسبِ ما يقع.

قال العلماء: يجب عليه أن ينفيَ نسبَه، ولا يجوزُ له بحالٍ أن يسكتَ عن ذلك، فإن سكت؛ كان آثمًا.

والحالة الثانية: تُكره فيها الملاعنةُ، كأنْ يرى امرأتَه ويظن فيها السوءَ، يظن بها سوءًا، كأن يدخل عليها رجلٌ مثلاً وَيَتَرَدَّدَ عليها فتثور الشائعات، أو الشكوك، أو الريب فيَغْلُبُ على ظنِّه أنها زَنَتْ، فهذا يجوز له أن يُلاعنَ لكنْ يُكره له ذلك، لماذا؟

قالوا: لأنه لم يَتَيَقَّنْ أولاً، ولأنه قادرٌ على التخلصِ منها بالطلاقِ، فلا حاجةَ إلى هذه الملاعَنةِ.

ويكونُ اللعانُ حرامًا فيما عدا ذلك، فإنه لا يجوز أن يُلاعنها وهي عفيفة، أو أن يلاعنها ولا شبهةَ تثورُ حولها، أو يلاعنها ولا بأسَ بها ولا شيءَ يترتبُ على ذلك.

إذن اللعان قد يكون واجبًا وَبَيَّنَّا الحالة، وقد يكون مكروهًا وَبَيَّنَّا الحالة، وفيما عدا هذا فإنه يَمْتَنِعُ هذا اللعانُ.

الحديثُ الذي مَعَنَا -وهو حديثُ البابِ- حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: (أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله!...) إلى آخر هذا الحديث الطويل، هذا الحديث سببه أن سعيد بن جبير -رضي الله تعالى عنه ورحمه- وهو من التابعين سَأَلَ عبدَ اللهِ بن عمرَ -رضي الله عنهما- عن المتلاعنين: أيفرق بينهما؟ فقال ابن عمر: "سبحان الله" قال: "سبحان الله! نعم" ثم ساق هذا الحديثَ (فإنَّ فلان بن فلان سَأَلَ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال...) فَسَاقَ الحديثَ بطولِه.

هذا الحديث مبدوءٌ بقوله: (أن فلان فلان) هذا التعبيرُ يُكنى به عنِ الأَعلامِ المبهمةِ، فإن "فلان بن فلان" هذا تنبيهٌ على رجل أبهم في هذا السياق، من هو؟ ما اسمه؟ هذا مما وَقَعَ الخلاف فيه بين العلماء، فذهبت طائفة إلى أنه هلال بن أُمية بن عامر بن قيس بدريٌّ -رضي الله تعالى عنه- وهذا مختارُ الإمامِ النوويِّ وابنِ حجرٍ، ونقله غيرُ واحدٍ عنِ الجمهورِ، أنَّ هذا الشخص الذي جاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فسأله هو هلال بن أمية.

وهلال بن أمية هذا له قصة مشهورة، هو أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن غزوةِ تبوك، ويبدو أن قصته -على كل حال- واقعة بعد غزوة تبوك، لماذا؟ من يعرف؟ لماذا وقعت قصته هذه بعد غزوة تبوك؟ لأن في هذه الغزوة لما أَمَرَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأن يعتزل امرأتَه، جاءتِ المرأة تستأذن في خدمته، فَدَلَّ هذا على أن حادثة الملاعنة بينهما كانت بعد غزوة تبوك، وغزوة تبوك متأخرةٌ، متى وقعت؟ في السنة التاسعة، قيل في سنة تسعٍ من شهر شعبان.

على كل حال هذا هو القول الأول: إن الذي لاعن من امرأته أو أن فلانًا المذكورَ في هذا الحديث هو هلال بن أمية -رضي الله تعالى عنه- وقيل: هو عُوَيْمِرٌ بن الحارث، أو هو عويمر بن النضر، وهذا الرجل من بني عجلان من بني سالم بن عوف، والخلاف بين الجمهور في أيِّهما نَزَلَ بسببه آيةُ اللعانِ.

تَمَسَّكَ الجمهورُ بحديثِ أنسٍ: "أن هلال بن أمية -رضي الله تعالى عنه- قَذَفَ امرأته بشريك بن سحماء" وكان أخَا البراء بن مالك لأمِّه، وفي الحديث تصريحٌ بأنه أَوَّلُ مَنْ لاعَنَ في الإسلامِ، بأنه كان أولَّ من لاعن في الإسلام.

وهذه الرواية التي بين أيدينا التي أبهمت اسمه قد بَيَّنَتْهَا روايةُ حديثِ أنسٍ، وعند النسائي أيضًا ما يشهد لهذه الرواية؛ لأنه وَرَدَ أنَّ أَنَسًا قال: "أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قَذَفَ امرأته بشريك بن سحماء" فكان ذلك مُبْتَدَأَ الكلامِ في بابِ اللعان، أو حصول أول ملاعنةٍ في الإسلام ، وهذه -كما قلنا- ملاعنةٌ متأخرةٌ.

وأما الذين قالوا بأنه عُوَيْمِرٌ العجلانيُّ؛ فإِنَّهم مالوا إلى حديثِ سهلِ بن سعد وهو في الصحيحين: "أن عويمرًا العجلانيَّ أتى النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول الله! إني وجدت مع امرأتي رجلاً" أو أنه قال: "أرأيت" يعني جاء بصيغة السائل "أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟!" فلم يَرُدَّ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ثُمَّ أَنْزَلَ الله -تعالى- ما أنزل في باب الملاعنة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: )قد أنزل الله فيك وفي صاحبتِك -يعني قرآنًا- فاذهب فائتِ بها) فجرت بينهما الملاعنةُ.

كما قلت مال الأكثرُ إلى أنَّ أول من لاعن هو هلال بن أمية -رضي الله تعالى عنه-. لكنَّ بعضَ العلماءِ ذَهَبَ إلى الجمعِ بين هذه الرواياتِ التي ظاهرُها التعارض، فقالوا: إن هلالاً سأل أولاً، ثم سَكَتَ النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- عنه، ثم إنه جاء ثانيًا يُخبر أنه ابْتُلِيَ بهذا الأمر، فكأنه سأل أولاً ولم يذكر أنه صاحب واقعة، فكان سؤاله مجردًا، وكان على صيغةِ الفرضِ "أَرَأَيْتَ؟!" وهذه صيغةٌ فيها فرضُ سؤالٍ؛ أي أخبرني ما الحكم إذا وجد الرجل مع زوجه رجلاً؟ فهذه صيغةُ فرضٍ لم يُجبْ عنها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم إنه جاء مرة أخرى يسأل ولكنه يحدد أنه صاحبُ هذه الواقعةِ، فتوافق مجيؤه مع مجيءِ عويمرٍ العجلانيِّ، وكانت الآيةُ قد نزلت، فلما جاء عويمر؛ قال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: )قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنًا) وهذا ما رَجَّحَه طائفةٌ من أهلِ العلمِ، وَقَدَّمُوه على الترجيحِ حيث إنَّ الجمعَ أولى منَ الترجيحِ.

وَرَجَّحَ بعضُ أهلِ العلمِ أَنَّ الآيةَ قد نَزَلَتْ مرتيْن كالقرطبيِّ، قال: "فإنَّ هذا أولى من تغليط الحفَّاظ"؛ أي أنَّ الآيةَ نزلت مرة لأجل عويمرٍ، وأخرى لأجل هلالٍ؛ لأن بعض العلماء جَزَمَ بأنها نازلة في حق فلان، والبعض الآخر جزم بأنها نازلة في حق فلان.

ثَمَّةَ اختلافٌ آخرُ نَقَلَه الإمامُ النوويُّ -رحمه الله تعالى- من أنَّ هذا الذي لاعن هو عاصمُ بن عديٍّ، فكأن الأقوال صارت ثلاثةً، القول الأول: هو هلال بن أمية، والثاني: عويمر العجلاني، والثالث: عاصم بن عدي.

وعاصم بن عدي هذا يرتبط بصلة بعويمر، قالوا: إنه ابن عم عويمر، وقالوا: إنَّ عاصمًا هذا -رضي الله تعالى عنه- لَمَّا نَزَلَ حَدُّ القذفِ؛ قال: "أينطلق الرجلُ فيأتي بأربعة شهداء على زوجه؟!" وكأنه استبعد أن يكون هذا، أو جعل ذلك شيئًا شاقًّا، قالوا: "فابْتُلِيَ به". إما أنه ابتلي به في نفسه؛ أي في زوجه، أو ابتلي به في ابنة أخيه، وقالوا: إن ابنة أخيه كانت تحت عويمر العجلانيِّ، من هي هذه المرأة التي لاعنها زوجها؟ هي خولة بنت قيس، وقيل: خولة بنت عاصم، إذا قلنا إنَّ عاصم بن عدي ابتلي بذلك في بيته، أو في نفسه فصارت خَوْلَةُ هذه بنتَ عاصم، أو تكون خَوْلَة بنت قيس، وتكون بنت عمِّ عاصم بن عدي.

هذه زوج عويمرٍ، وما اسم زوج هلال بن أمية؟ قالوا: خولة أيضًا، فكأن المرأةَ في الحالتين اسمها خولة، وأما الشخصُ الذي رُمِيَ بهذه الفاحشةِ هو شريك بن سحماء، إذن شريك هذا صُرِّحَ باسمه في هذه الرواية، وفي رواية أخرى.

هذا الحديثُ ظَهَرَ لَنَا بعد النظرِ والتأملِ أنَّ فلان بن فلان هذا هو هلالُ بن أمية على ما تَرَجَّحَ، وأنَّ المرأةَ هي خولةُ بنت قيس أو بنت عاصم على ما بان، وأنَّ الرجلَ الذي اتُّهِمَ بها هو شريكُ بن سحماء، وسحماء هذه أمه، وأبوه اسمه عبد بن مغيث، هذا الرجل قالوا: إنه شهد أُحدًا، وكان يُظَنُّ به السوء توفي سنة تسع عشرة.

اتُّهمَ بامرأةِ عويمر، واتُّهِمَ أيضًا بامرأةِ هلالٍ، يعني المتهم في الحالتين هو شخصٌ واحد، هو شريك بن سحماء.

قوله: "أرأيت" هذا الخطاب من عويمرٍ أو من هلال بن أمية، قوله للنبي -عليه الصلاة والسلام-: "يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟!"

أرأيت: أي أخبرْني بالحكمِ، وهذه الرؤية رؤيةٌ علميةٌ أم رؤيةٌ بصريةٌ؟ علميةٌ، أصلها من الرأيِ، أو أصلها من الرؤية العلمية، و"أرأيت" يتعدى إلى مفعول أم إلى مفعوليْن؟ إلى مفعولين، والمفعول الثاني سيكون جملة استفهامية؛ لأنه يسأله أو يستفهمه، وفي بعض الروايات أنه قال: "لو وَجَدَ أحدُنا" أو قال: "أَنْ لو وَجَدَ أحدُنا" و"أنْ" هذه هي المخففة من الثقيلة.

على كل حال قوله: (يا رسول الله! أرأيت..)؛ أي أخبرني بحكمِ ما لو أو ما إذا وَجَدَ أحدُنا مع امرأتَه رجلا، يعني فكيف يصنع؟! هذا السؤال منه يحتمل أن يكون سؤالاً عن أمرٍ لم يقعْ؛ لأنه صَدَّرَه بقوله: "أرأيت" و"أرأيت" هذه من صيغ الافتراضِ، أنه يَفترض أي أخبرني عن حكم كذا إذا كان يمكن أنْ يقعَ.

فاستفاد بعض العلماء من قوله: "أرأيت" أي أخبرني عن حكم كذا، أنه يجوز فرضُ مسائلَ لم تقعْ، لماذا؟ قال: ليحصل الاستعدادُ لهذه الوقائعِ، وليحصل التهيؤُ لها قبل أن تَقَعَ، ووجدنا أنَّ بعض الفقهاء كان يَفرضُ مثلَ هذه المسائلِ، ولذلك قال ابن دقيق العيد: "استمر عملُ الفقهاءِ فيما فَرَّعُوه وَقَرَّرُوه من النوازلِ قَبْلَ وقوعِها" يعني كانوا يفرضون فيقولون: أَرَأَيْتَ لو وَقَعَ كذا فكيف يكون؟!

كَرِهَ بعضُ السلفِ هذه الطريقةَ، وهي طريقةُ الفقهِ الْفَرَضِيِّ الذي يفترض فُروضًا لم تقعْ ثم يُجيب الفقيهُ عنْها. فقالوا: إن هذه الفروض إذا كانت قريبةَ الوقوعِ؛ فلا بأسَ بفرضها لأمرين:

الأمر الأول: لِتكمُل آلة الفقيه، ولِيَتَمَهَّرَ بمعرفة أحكام هذه المسائل.

الأمر الثاني: أنها وإن لم تقع فإنها توشك أن تقع، فيكون متهيئًا لحكمها.

أما إذا كانت مُستبعدةَ الوقوعِ، ونادرة، أو فيها شيء من الصعوبة والوعورة؛ فإنه لا ينبغي تكلف السؤال عنها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عنها، وكان يَعيب مثل هذه المسائل، ولهذا مَالَ بعضُ الشراحِ إلى أن الرجل أراد الاطلاع على الحكم بشيءٍ مِنَ التكلفِ فابْتُلِيَ به، وقد رُويَ )البلاءُ موكولٌ بالمنطقِ)، ولأجلِ ذلك قال بعده: "إن الذي سألت عنه قد ابتليت به"، ونرى في التفسيرِ أن عاصمَ بنَ عدي لما أنزل الله -عز وجل- ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ...? [النور: 4]، إلى آخر الآية، قال عاصم: "أين لأحدنا أربعة شهداء؟! قالوا: فابتليَ به" ابتلي به إما في نفسه في ابنة أخيه، أو ابتلي به في حق نفسه؛ أي في حقِّ زوجِه هو.

هذا على قول إن هذا كان شيئًا لم يقعْ، لكن هل يُحتمل أنَّ هذا كان قد وَقَعَ؟ يحتمل، وأنَّ الرجلَ كَاعَ أنْ يخبر بذلك؛ أي لم يَجْرُؤ لماذا؟ قالوا: لأنه لم ينزل هذا الحكم الذي فيه تشريع الملاعنة بَعْدُ، والرجل لم يُطْلِعْ أحدًا على هذه المسألةِ، فكأنه رأى المرأةَ على ما رآها عليه ثم إنه تَحَيَّرَ فلم يدر ما يفعل، فجاء يسأل من غير أن يذكر نفسه؛ اتقاءً للحد الذي سيُجلد إن هو أخبر به، وفي بعض الروايات: أنه جاء ذات ليلة بعد العشاء فوجد مع امرأته ذلك الرجلَ، فلم يُهِجْه، وَبَقِيَ حتى أَصْبَحَ ثم أَتَى النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- يسأله، فصار الرجل بين أمرين أحلاهما مُرٌّ، أن يسكتَ على العارِ والفضيحةِ، أو أن يقذفها بلا بينة ولا شهود، فيجلد الحد في ظهره ولا يخرج من هذا بطائل، وهذا احتمال ثانٍ وواردٌ، والاحتمال الثالث ما هو؟ من يعرف الاحتمال الثالث؟

أن يكون قد تَوَافَقَ مع ذلك بدون بينةٍ، كأنه استعد... عنده قرائن لكن ليس عنده..

أحسنت، الاحتمال الثالث: أن يكون رأى ما يستريب منه، أو رأى ما يمكن أن يكون شيئًا يُشير إلى أن هذه المرأة تستبطن سوءًا وأنَّ عندها ما تستتر به، لكنه لا يجزم بشيء، فَوَقَعَ في نفسِه الشكُّ والرِّيبةُ، فسأل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وأنت تلحظ أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يجبه حين سأله بـ"أرأيت" وهذا يشهد لما عليه أكثر السلف خلافًا لأهل العراقِ من فقهاءِ الحنفيةِ، الذين اشتهروا بكثرة فرض المسائل، تلحظ أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يجبه، ولم يُحِرْ جوابًا، وإنما سَكَتَ -صلى الله عليه وآله وسلم- حتى جاءه مرةً ثانيةً يقول له: "إني قد ابتليت بذلك" أي أنه قد وقعت هذه المسألة لي، وهذا يدلك على أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ما كان ليَتَجَشَّمَ الإجابة عن هذه المسائل أو أن يدخل فيها إلا أنْ تَقَعَ فَيَتَكَلَّفَ ذلك من عندِ نفسِه، أو يَسْتَنْـزِل الوحيَ بالدعاءِ أنْ يُفَرِّجَ الله -تبارك وتعالى- هذا الأمر وأنْ يَكشفَه ببيانِ حُكمِه.

جاء الرجلُ في الكَرَّةِ الثانية فأخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأن الأمرَ الذي سأل عنه أولاً قد ابْتُلِيَ به، وقد وقع فعلاً، عندها نرى أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دَعَا الله -تبارك وتعالى- بأن يُظهِرَ حكمًا في هذه المسألة التي لم يكن للناس بها عهدٌ، ولهذا ترى أنه قال: "على فاحشة"، والفاحشة المقصود بها هنا هي الزنى، وفي حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله تعالى عنه-: "أن عويمرًا العجلاني جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: كذا كذا كذا" يعني ما يدل على أن الواقعة تتعلق به.

وفي هذا الحديث قال: "إن تكلم؛ تكلم بأمر عظيم"، ما هو هذا الأمر العظيم؟ أن يقذف زوجته بالفاحشةِ، وأن يُلحق العار بنفسه؛ لأنها عرضه الذي يجب أن يُحمى وأن لا يُنْتَهَكَ، وهذا -إذا تَكَلَّمَ به- أَمْرٌ تأباه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والعادات الكريمة، هذا أمر مكروه، "وإن سكت سكت على فاحشة" فكان ديوثًا -والعياذ بالله- إذا علم أن امرأته ترتكب الحرام وهو يعلم فلا ينكر، ولا يعترض، ولا يأخذ منها موقفًا؛ فإن هذا أيضًا مما لا يحل له أن يسكت عنه، ولذا قال -في رواية ابن مسعود رضي الله عنه- كما هو في الصحيحِ قال: "إن تكلم؛ جلدتموه، أو قتل، قتلتموه" يعني ماذا يفعل؟ إن تكلم جُلِدَ أو إن قتل الرجل فإنه سيقتل به قصاصًا، فكيف يسكت الإنسان على مثل ذلك؟ ولذلك في حديث ابن مسعود قال: "وإن سكت سكت على غيظ".

النبي -عليه الصلاة والسلام- دعا الله -تبارك وتعالى- واستمطر هذا الوحي المبارك من السماء أن ينزل في فصل هذه المسألة. لكن قبل أن نتعرض لهذا لنا أن نسأل، أو لنا أن نناقش الحكم فيما لو دخل الرجل على امرأته فوجد معها رجلاً يصنع الفاحشة فقتله، هل يُقتل به أم لا؟ رجل دخل على زوجه -والعياذ بالله!- فوجد معها رجلاً فقتله على الحال التي تحقق فيها ومعها من وقوع الفاحشة العظمى بينهما.

ذهب الجمهور إلى أنه يُقتل به، إلا أن يأتي ببينة تدل على وقوع الزنى أو أن تُقِرَّ المرأة، وهذا بشرط أن يكون هذا الرجل الذي قتل؟

معروفا عنه الفاحشة، وأنه زنى قبل ذلك أكثر من مرة.

لا.. شرط أن يكون محصنًا، يعني أنه لا يقتله، فإذا قتله فإنه يُقاد به إلا أن يكون محصنًا، وهذا المحصن قد قامت البينة على وقوع الزنى منه، يعني الأصل أنه لا يقتله، فإن قتله؛ فإنه لا يهدر دمه إلا إذا كان هذا الرجل قد قامت بينة على زناه، ومع هذا كان محصنًا، لأنه لو كان بكرًا لم يكن سبيلٌ إلى قتله؛ لأنه عندئذ يكون الحكمُ في حقه الجلد، فلا يجوز له أن يقتله؛ لأنه تعدى بذلك الحدود الشرعية، فحدود الله لا يجوز بحالٍ أن يتعداها الإنسان.

لو كان حقه أن يُرجم فقتله؛ فهل يكون في ذلك مصيبًا أو لا؟

لا يكون مصيبًا، لماذا؟ لأنه افتأت على الإمام، ما معنى افتأت؟ تَعَدَّى؛ لأنه ليس من حقه أن يُقيم الحدود، ولا أن يستوفيها إلا أن يأمره الإمام أو أن يأذن له إمام، فإن لم يأذن له الإمام أو لم يأمره إمام؛ فإنه بذلك يكون مستحقًا للتعزير.

ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقتل به مطلقًا؛ لأنه ليس له أن يفتئت على الإمام وذهب بعضهم إلى أنهم لا يقتل مطلقًا، وهذا منقول عن بعض السلف إذا ظهرت أمارات صدقه.

الإمام أحمد -رحمه الله- وإسحاقُ اشترطا أن يأتي ذلك الرجل بشاهدين، أنه ما قتله إلا بسببِ ذلك، يعني بسبب وجوده في بيته مع زوجه متلبسًا بحال الزنى.

النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- سَكَتَ لم يجبه عن مسألته في المرة الأولى، وفي المرة الثانية أَجَابَ -صلى الله عليه وآله وسلم- طبعًا هذه الواقعة إلى هذا الحدِّ تُفيد وجوب الرجوع إلى الشرع المطهر في كلِّ ما عَنَّ للإنسانِ، وأنه لا يجوز أن يَنْفَرِدَ بتقرير الأحكام دون الرجوع إلى مصدرها، فذلك الرجل سواءً كان هلال أو عويمر كلاهما رَجَعَ إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يسأله ويتعرف منه على الحكم، وربما جاءه مرة بعد مرة، جاءه المرة الأولى من غير أن يصرح، وفي الثانية صرح، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لَمَّا جاءه في الثانية قال: (اللهم افتح!) وهذا في رواية ابن مسعود قال: (اللهمَّ افتح) وَجَعَلَ يدعو النبي -عليه الصلاة والسلام- فنزلت آيةُ اللعانِ، وهذا يدل على أن النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- كان شديدَ التعلق بالله -عز وجل-، وكان شديد الحرص على أن يستقي الأحكام من مُنَزِّلِها -سبحانه وتعالى-.

وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: )اللهم افتح!) يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان يبلغ، ولو قُدِّرَ أنه كان يجتهد -عليه الصلاة والسلام- فإن هذا الاجتهاد كان مما يقره عليه الشرع أو كان الوحي يصحح هذا الاجتهاد إن بدا فيه شيء.

نزول آية اللعان أو تشريع الملاعنة كان بسبب هذه الواقعة أو هذه القصة، ويشهد لهذا أن هلال بن أمية لما جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقذف امرأة، قال )البينة) -عليه الصلاة والسلام- قال له: )البينةَ، أو حدٌّ في ظهرك) فقال من فوره: "والله إني لصادق" وقال: "وَلَيُنْزِلَنَّ الله ما يُبَرِّئُ ظهري" "ولينزلن الله"؛ أي من الوحي "ما يبرئ ظهري من الحد" فما لبث أن نزل جبريل -عليه السلام- بقول الله تعالى: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ? [النور: 6] الآيات من سورة النور.

في بعض الروايات هلال قال: "والله إني لأرجو أن يجعل الله لي فَرَجًا" فلما نزلت الآيات قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: )أبشر يا هلال! قد جعل الله له فَرَجًا ومخرجًا) وأنزل الله -تبارك وتعالى- هذه الآيات فتلاهن عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تلا هذه الآيات عليه، ثم إنه -عليه الصلاة والسلام- وَعَظَه وذَكَّرَه وبين له أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، ما عذاب الدنيا في حقِّ هلال بن أمية؟

الجلد

لماذا يُجلدُ؟

لأنه قَذَفَ محصنة، فيجلد ثمانين جلدة

لأنه قذف المحصنة، وقذف المحصنات حده ثمانون جلدة.

ودعا النبي -عليه الصلاة والسلام- أيضًا المرأة، فوعظها وذكرها كما وعظ زوجها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ما عذاب الدنيا في حقها؟

الرجم حتى الموت

أن تُرجم حتى تموت.

هذا الجزءُ من الحديث يفيد جواز وعظ وتذكير المذنب، وهذا الوعظ وهذا التذكير قبل الملاعنة أم بعد الملاعنة؟

ظاهِرُ هذا الحديثِ يَدُلُّ على أن هذا كان قبل الملاعنة، وهذا يدل على أنه إذا عَلِمَ الإنسانُ أن أحدًا سيعصي الله -عز وجل-؛ فإنَّ عليه أن يعظه، وأن يذكره، وأن يمنعه، وأن يسعى أن لا تقع هذه المعصية.

إذن النبي -صلى الله عليه وسلم- وَعَظَ المدعي، من هو المدعي؟ الرجل، ووعظ المدعى عليه وبيَّن لهما أن عذاب الآخرة أشد وأنكى من عذاب الدنيا، وهذا قبل الملاعنة، في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وعظ بعد الملاعنةِ، وهذا حَمَلُوه على أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: )الله يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟!) يعني كما وَعَظَهُمَا قبل الملاعنة، وعظهما أيضًا بعد الملاعنة، ليتوب مَنْ وقعت منه معصية، إذ لا شكَّ أن أحدهما قد عصى الله -تبارك وتعالى-، وأن أحدهما قد وقع منه معصية مغلظة، وهذه المعصية المغلظة تستوجب التوبة.

نَتَوَقَّفُ عند هذا المقدار لنستكمل -إن شاء الله تعالى- في الحلقة الآتية إن يسر الله -تعالى- وأعان.

يقول: بالنسبة للزوج الملاعن الآن ألا يَقْوَى جانبه قبل اللعان بشهادة الزاني نفسه، لَمَّا يأتي اعتراف الزاني أو يُحقق مع الزاني، فأريد أن أسأل: هل يُحقق مع الزاني أم أن اعترافه يوقف اللعان ويثبت على الزوجة الحق؟

كان يسأل عن الزوجِ الْمُلاعن هل يُقَوِّي شهادتَه إذا كان الزاني شَهِدَ أنه زنى دون أن تشهد المرأة؟

هذا لا يَصلح، فإن هذا الزاني إذا قَذَفَ الإنسانُ امرأته برجل، فَأَقَرَّ ذلك الرجلُ بالزنى؛ فهل يكون ذلك سببًا في إقامةِ الحدِّ عليْها؟

لا يكون سببً

لا يكون سببًا في إقامةِ الحدِّ عليها، بل يكون سببًا في جلدِ الزوجِ، جلده ثمانين جلدة قبل نزول آيةِ اللعانِ، والذي أَقَرَّ يُجلد حدَّ الزنى، لأنَّه أَقَرَّ على نفسه بالزنى، يعني هو الآن هناك أمران:

الأمر الأول أنه أَقَرَّ على نفسِه بارتكابِ الزنى، ثم إنه عَيَّنَ امرأته، فالذي أَقَرَّ به يعامل بإقراره فيه أنه زنى، لكنَّ المرأةَ إذا لم ترضَ، أو لم تُقِرَّ، أو لم تُصدق ما قال ذلك الرجلُ؛ فإنها تكون مقذوفةً بذلك، على كل حال هذا يقام عليه حد الزنى الذي أقر به.

وهل يُقام عليه حدُّ القذف أيضًا؟

لا أدري أنه يُجمع عليه حدَّان في هذا، لكنِّ الذي أَقَرَّ به من وقوعِ الزنى يُجلد عليه، هذا إذا كان بِكرًا، أما إذا كان محصنًا فَأَقَرَّ؛ فإن عليه –بذلك- الرجم، وإذا كان يُرجم؛ فإنه لا يُحَدُّ حدَّ القذفِ.

إِقرارُ الرجلِ أَنَّه فعل الزنى هذا لا يكون سببًا في إقامةِ الحدِّ على من زَنَى بها.

وتأملْ هذا فهو من حكمة الإسلام في تشريعاته، وفي إقامة الحدود، لو أن إنسانًا أَقَرَّ على نفسِه بشيءٍ؛ فإنَّ هذا يكونُ حجةً قاصرةً عليه هو، ولا يكون مُتعديًا إلى غيره، لا سيما فيما يتعلق بالأعراض، فإنَّ شأنَ الأعراضِ أن تُحمى، والإسلام حمى هذه الأعراض بهذا السياج من الحدود، وبهذا السياج من الشهادات، وبهذا السياج من البَيِّنَةِ التي اشترط فيها أربعة شهداء قلَّ أن تَتَوَفَّرَ، بحيث إننا لا نعلم أنَّ حدًّا أُقيمَ في الإسلامِ بثبوتِ الزنى بأربعة شهداء، إلا ما كان في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- ولم يَكمُلْ العدد، بل شهد الأربعة فأقر ثلاثة بأنَّهم رأوا منه ذاك يدخل كالمرود في المكحلة، وأنه يبلغ كما يبلغ الريشة في البئر، يعني كناية عن تحقق كامل الزنى، إلا أن واحدًا قال: رأيت منظرًا شنيعًا وجعل يَصِفُ أمرًا لم يبلغ فيه مبلغ التحقق من وقوع الزنى وقوعًا تامًا، فَجَلَدَ عمر -رضي الله تعالى عنه- هؤلاء الأربعة حَدَّ القذف.

أسئلة الدرس

السؤال الأول: عرف اللعان، وبيِّنْ حِكْمَةَ مشروعيتِه وحكمَه.

السؤال الثاني: عيِّن المتلاعنيْن في هذا الحديث، مع بيانِ الراجحِ فيمن نَزَلَ بسببِه هذا الحكمُ.